نعيش على أفكار السّلطان

نعيش على أفكار السّلطان


أغلبنا لم يقرأ سوى القليل من الشعر و الأدب ، ليس لأنّنا لا نرغب ، بل لأنّ حال الكاتب نفسه يتبدّل بتبدل ولي الأمر" السلطان" حيث لا زال أغلب الكتاب يتبعون سلطاناً ما ، و يحصد الجوائز اليوم من تحدّثه إحدى الفضائيات أن عليه أن يكتب في موضوع معين، هذا لا يعني انتفاء الأدب ، الكثير من الكتّاب الناشئين يعزفون عن الكتابة بعد عدة محاولات للنشر ، يعتقدون أنّهم لا يصلحون للأدب ، و الفنّ.
سوف أقسّم الكتاب و الشعراء إلى قسمين : أحدهما لا يستطيع أن يبدع إلا من خلال احتسائه الخمرة، ووصوله إلى حدّ النشوة ، وهو يختصر أفكار مجتمعه ، كالكاتب الكبير محمد الماغوط الذي اختصر حكايات بيئته الأولى فحوّلها إلى مقالات ساخرة ، و اعتلى من خلال بيئة السلطان الحاضنة ، ولو كان لأحدنا أن يجلس في مساءات مدينته " السلمية" حيث يجتمع الشباب ويلقون فكاهاتهم مع كأس نبيذ، أحاديث ساخرة قد تكون جميلة أحياناً ، وربما سجن الكثير من الشباب يومها بسبب نكتة ما ، و أغلبهم كان من رابطة العمل الشيوعي.
القسم الثاني هو أدب الإيمان ، حيث يجتهد المسلمون ، يكتبون المقالات عن المرأة وحقوقها في الإسلام، أو عن الإسلام و العروبة ، أو عن الشّهادة ، وكان ذلك الأدب أقل رواجاً .
نحن نقدّس ما يقدّسه السّلطان ، فمثلاً عندما كان نزار قباني دبلوماسياً أحببناه، وعندما اعتلى منبر صدام أحببناه، وعندما تزوّج فتاة في عمر أبنائه سميناه شاعر الحبّ، لم نفكّر للحظة واحدة أن ذلك الحبّ كان قد صنع في مطبخ ياسر عرفات ، حتى محمود درويش جعلنا منه إلهاً للمقاومة ، مع أنّه ألّف قرآناً في مدح صدام حسين ، ليس هؤلاء فقط ، بل أغلب من انتموا لعالم الأدب ولا قوا احتضاناً .
تغيّر الحال اليوم . كثر عدد الشعراء و الكتاب بمتوالية هندسية بسبب وسائل التواصل الاجتماعي ، لكن الوصول إلى النشر شبه مستحيل إلا لمن كان محظوظاً ، في إحدى المرات رأيت إحداهن تكتب في " العربي الجديد" مقالات مدفوعة الأجر في السلوك، وقرب مقالتها صفحة تعريف كبيرة بها ، كنت أعرفها جيداً، وكنت أعرف الأدمن الذي ينفّعها و الاثنان كانا يعيشان في دبي.
أختار بعض الأمثلة فقط ، فمثلاً رابطة الكتاب السّوريين الأحرار فيها فقط 2500 متابع نصفهم لهم مركز في الرابطة ، أغلب مقالاتهم مأخوذة عن القدس العربي، لا يهتمون بمن يكتب خصيصاً لهم، وقد أهملوا في الماضي ماكتبت ، اعتبرت الموضوع منتهياً بعد الاعتذار ، وعدت للكتابة ، فعادوا إلى نفس الأسلوب . ربما الأمر جرى بالصدفة كزلات اللسان ، لكن ذلك الاسم الضخم لمؤسسة ليس فيها إلا قلة من المتابعين يجب أن يترافق بعمل جاد . هذا مثال فقط ناهيك عن قلمون وحرمون ,وذلك العدد اللامتناهي من المواقع الممولة ، التي تبحث عن الشهرة من خلال الاعتلاء فوق ألم سجين سياسي ، وجميع تلك المواقع تتحدث عن نجاحات سورية ، يجرون المقابلات، ولا يتابعون النجاحات الحقيقية ، على سبيل المثال حفيدتي قادت الطائرة في الثامنة عشرة من عمرها، وحفيدي دخل دورة برلمانية في سن الثالثة عشر ، لكنّهم لن يجروا معهما مقابلة لسبب بسيط يجب أن تكون الفتاة محجبة وعائلتها من الشلة ، ويجب أن يكون الفتى ثورجياً قبل أن تلده أمه .
نأتي إلى الفن بشقيه الذي يستعصي العمل به أو دخول معاهده إلا على من له مفتاح حتى لو كان موهوباً ، وهنا لن ننسلى مساهمة النظام السوري في نشر الفنانة المبدعة فيروز التي أصبحت إلهاً ، فكل شيء مع الصباح يجب أن يكون فيروزيا ، وليس كلثومياً مثلاً .
نعم هناك من غادر النّظام ، وخرج عن طاعته، وهو ليس بطلاً ، فتجمعاتهم في الخارج شبيهة لما هو في الداخل، وهنا يأتي الأسطورة حاتم علي الذي سارت جنازته وسط دمشق ، وقبل النظام أن تسير ، و إن تجرأ أحد على القول أن الموضوع ليس رغماً عن النّظان يجري تكفيره .
موضة اليوم عند السّوريين في الخارج هي كتابة الشّتائم على شكل مقالات، و تعميم ثقافة الكراهية من خلال الأدب الثوري ، لكن الأكثر إيلاماً هو بروز الحالة القومجية " اليسارية" وهي حالة تشبه حالة القضية المقتولة سواء كانت فلسطينية ، أم سورية ، أم لبنانية.
نحتاج اليوم لمن يقيّم الأدب و الفن بمنظار صادق، وحتى لو كان ذلك الأديب أو الفنان ليس ثورجياً ، لا بد أن يكون لديه أفكار تستحق الاهتمام ، وهذا يتطلب أن يحاول بعض المتطوعين الأغنياء أن يبني منصّة للأدب و الفن يموّل فيها البحوث الجادة، و يعتبرها جمعية خيرية، وصدقة جارية لمحو أخطائه في سرقة مال الناس.

نبذه حول الكاتب

نادية خلوف مواليد السلمية 1947 تجيد اللغة الإنكليزية والتركية كتابة وقراءةً الكردية والسريانية محادثة وبعض الفارسية عملتْ كمحامية ثم محررة في صحيفةٍ اسمها صوتُ المرأة كانت تصدرُ في سوريا لها مؤلفاتٌ كلُّها وضعتُها على الانترنتِ ولم تنشرْها منها رواية وضعتها حلقات متسلسلة اسمها نوار وداو وبيوض

تقييم النص

يجب تسجيل الدخول أو التسجيل كي تتمكن من الرد هنا

التعليقات

لا يوجد تعليقات بعد ! كن أول المعلقين !

التعليقات

إدراج الإقتباسات...