أنيابٌ حارسة

أنيابٌ حارسة


 أغلق باب الدار خلفه بحذر وعيناه تجوسان الأنحاء يميناً وشمالاً، وعلى شاشة مخيلته صورة مرآب الحافلات الشعبية الرثة العتيق بأرضيتهِ الترابية وزحامه الذي لا ينام. 

" الى هناك غايتي " صوب الجنوب القصي.. همس في سرهِ وهو يتنهد.

 وسيكون في انتظاري رفيق سفري.. آملاً أن يكون قد سبقني، ثم غذ الخطو نحو الهدف.

التقيا، تصافحا على عجل وتبادلا الهمس وعيونهما تتألق بمزيج من الرهبة والخوف والرجاء..

- سنجلس متباعدين وكأننا غرباء “هتف الرفيق".

- وهو كذلك ويستحسن أن ننفصل الآن ونذهب صوب الحافلة على انفراد.

- هيا بنا.. تجلد يا رجل " سنوفق بمسعانا"

-نعم. نعم، همّهم صاحبنا وهو يجهد في أن يتماسك (سنوفق) لا مناص من أن نجتاز الفخاخ المنصوبة على الطريق ..! أما هذا أو الموت، قالها وهو يسحب دفقة قوية من الهواء البارد ويخطو الى الأمام في درب الجلجلة ..،

- إذا وقعتُ في قبضتهم فهي لا شك النهاية.. نهاية سريعة لعمر قصير " تنهد، ثم هز رأسه بقوة ليشد من عزيمته، وأعتلي درجات الحافلة سابقاً رفيقه الواقف  آخر الطابور.

- أما هذا أو الحرية.. الحرية الحلم.. الحرية التي ما فتئت منذ دهر طويل تداعب.. تدغدغ..

تُزهر في المخيلة “.

تواصل تدفق الركاب وأوشكت الحافلة على الامتلاء فيما مساعد السائق يحث الواقفين  على الإسراع في الصعود. لوهلة وإذ به يستوقف سيدة تخطو بين المقاعد وقد أخفت تحت عباءتها السوداء شيئاً ما يتحرك  :

- الى أين يا خالة ؟ وما هذا الذي يقرقر تحت العباءة ؟

- دجاجتان يا بني لا أكثر ، وسأجلس في الخلف .

- أعرف أنهما دجاجتان و ليستا ببقرتين .. كان ينبغي  تركهما فوق سطح الحافلة ..،

- على السطح ؟! بهذا الحر الشديد ؟ " هتفت باستنكار مع تقطيبة غاضبة ..

- ستموتان يا بني .. ستشويهما الشمس قبل أن نصل .

- عندها سنأكل دجاجاً مشوياً وندعو لكِ بطول البقاء " هتف بمرح "

- هنّ تُشويان على سطح التنور ونحن نُشوى في بطنهِ، قال أحدهم معلقاً .. فقهقه آخرون.

- لابأس يا خالة، أجلسي في المؤخرة إذا وادفعي نصف الأجرة عن دواجنك الأليفة العزيزة !

- ولماذا أدفع يا بني وهنّ لا تجلسان على مقعد، بل في حضني أو تحت المقعد ..

- لقد تأخرنا يا ناس! كفا عن الجدل ولننطلق بحق السماء،" قال أحدهم من الطرف القصي باْنفعال .

بينما كان صاحبنا منكفئاً على نفسه ملتصقاً نصفه العلوي الى زجاج النافذة .

اهتز المقعد على وقع جلوس جسم ثقيل مُرفقاً بعطر ثقيل الوطأة مما يتعطرّن به نسوة الريف ..امرأة  مُسنّة قصيرة بدينة بأكف موشاة بالوشم وهما تحتضنان صرّة .. حيته بلطف وجلست .

أخيراً تحركت الحافلة مزمجرة نافثة دخان أسود كثيف .

فكر .. هذه المرأة ستكون غطاءً لوجودي الى جانبها وربما تبعد عني الشبهة إذا ما جاء ذوو القبعات الحمر .. القميئة .

تعلق بهذا الوهم برهة.. ولكنهم " كلاب لا رحمة فيها ولا حرمة لديها “! هتف عقله الشكاك بحماس كئيب،

* * *

ببطءٍ شديد تحبو مركبتنا العتيقة تنوء بأثقالها رويداً رويدا عن عالمي الذي تعايشت معه كل حصيلتي من العمر حتى اللحظة.. الشوارع، المقاهي، الأزقة، ملاعب الصبا، الحب الأول، الأسرار الصغيرة البريئة ..  

تبدت الملامح في مخيلتهِ مضطربة، بعضها رمادي كالح، واخرى سوداء فاحمة، وقليلٌ منها، حبيبٌ جميلٌ خفّي. شوارعٌ وأبنيةٌ تآلف معها وأخرى كريهة خافها وتحاشها، ولم تتحاشاه ولم تتقبلهُ، تحضر وتغيب وتحضر.. صورٌ تتلوها أخرى قليلها بهيج، وكثيرها بائس هزيل مُخيف!

" لم تكن الآمال كبيرة.. لم تكن الأحلام مُبالغٌ فيها.. ضرورات حياة إنسانية كريمة لا أكثر ولا أقل ،فلمَ يتوجب علينا أن ندفع أثماناً باهظةً من أجلها ؟!

غالبته دمعة تترقرق في عمق الروح، حاذر أن يذرفها فبادرها بظاهر كفه ..

" كم كان بودي لو أعلمتهم بنيتّي هذهِ، ليتهم يعلمون في أي طريق سائرٌ أنا الآن " ..

دمدمت شفتاه " كنت والله خائفاً عليكم أكثر من خوفي على نفسي " ..، لم يكن راغباً أبداً في أن يتوارى ..أن ينسحب بعيداً صوب المجهول لو لم يتسع الخرق، وتطول الذراع وتتوحش السحابة السوداء المدلهمة بالإطباق على كل الأماكن والأشياء والصدور والعيون .. ويعُم الهلع وينتشر الفزع الليلي في البيوت والأسواق والشوارع والساحات !

" حملات الذئاب الليلية السوداء المباغتة الطائشة العمياء لم تترك ستراً إلا وقد كشفت ما وراءهُ ". كان تفكيره يرزح تحت سطوة غمام عقيم، كذاك السراب المرتسم في نهايات الطريق أمام أنظار راكبي الحافلة ! أغمض عينيه بمشقة كي يطرد أشباح الماضي القريب ..همّهم " الصدأ يأكل الحديد، أما الخوف والحزن فيلتهمان القلوب ، حتى الفتية منها " .

* * *

حين طرد بقناعة سيل هواجسه وبوحه الذاتي ، أعاد لكينونته الحضور في تلك البيئة  الخانقة الزنخة الرائحة المثيرة للغثيان "هو حضور آمن لحد الآن على الأقل .. فلنسمح للحظة أن تعيش.. وتعاش!".

للمرة الأولى ينتبه لهذه المركبة المتهالكة وعالمها الحافل بالضجيج والنشيج ..تناهت له الهمهمات ودخان السكائر ومذياع هادر وهرج ومرج، كان الفتى غائباً عن كل هذا  أيما غياب ..، يلتفت ُ يغمر الأنحاء بنظرة مطمئنة تجول بين المقاعد والرؤوس وكأنها تروم التعرف على جميع الحاضرين ..، تلتقط عدسات عينيه ألف لقطة ولقطة .. تتنقلان بين الطريق الأفعواني الممتد عبر الأفق وسكان هذا الكوكب المتشابك والرجراج، وتسجل الذاكرة مشاهداً قد لا تنعم برؤيتها لاحقاً !

امرأة تُهدهد رضيعها الباكي في حجرها.. وشيخ يطوح برأسهِ ذات اليمين وذات الشمال ،كما لو أنه رقاص ساعة عتيقة .. بينما مسبحته تطقطق بتدفق متواتر ثقيل ، وآخر يفرد جريدته حتى يكاد طرفها يمس وجه الجالس الى جواره بقلة ذوق ولا مبالاة..وذاك يتجشأ بصوت مسموع لاوياً بوزه بضجر، وسيدة تسعل وتشيح بوجهها صوب النافذة للتخلص من دخان سيجارة جارها البدين، وجالس هناك يحاول إمالة رأسه على كف يده متظاهراً بالنوم ، ونحن لا زلنا في الربع الأول من الطريق الدولي الطويل ..،

سيتعبون بلا شك.. سيتعبون جميعاً ويكف الضجيج، رغم أني أشعر أكثر بالأمان في صخبهم وضجيجهم! وطافت على سطح المخيلة كلمة " يهجعون" فابتسم وهو يتذكر.. بل يستشعر صوتُ حبيب آت عبر أثير العُمر يهتف بينما السبابة تشير وتلوح.. اهجعوا يا أولاد وإلا .. صوت أمه الحبيبة.. وتنهد.. وانتبه على لكزة تأتيه من الجوار :

- افتح الشباك يا بني لنستنشق بعض الهواء النقي ..جو الحافلة يطبق على أنفاسي ..،

في ذات اللحظة جاء صوت السائق مُذكراً بجمع الأُجرة ، واندفع مساعدهُ بمد يده لتناول النقود من الركاب، هيأَ صاحبنا الأجرة لتلافي نظرات مساعد السائق الذي قد يكون على صلة بال ...، " مَن يدري ..وجهه يوحي بالنذالة " .

- الأجرة يا جدة .."ورمقها بنظرات خبيثة مرفقة بابتسامة مريبة"

دست المرأة يدها تحت عباءتها وأخرجت خرقة عتيقة معقودة، حاولت فك عقدتها ففشلت، ناولتها لجارها، فك عقدتها وأعادها ، فالتقطت بعض القطع المعدنية وأسقطتها في الكف الممدودة .

بدأت مركبتنا تخفض من سرعتها وكأنها توشك على الوقوف من أعياء أصابها، وتناهى للأسماع صوت مساعد السائق يهتف بنبرةٍ صارمة وابتسامة خبيثة ، ( تفتيش ) ..وعلى الفور حل القلق المرهق محل الوهن الموجع! إذ توقفت، صعد في الحال أحدهم، جالت عيناه في العيون والوجوه بعيني نسر شره جائع فيهما قسوةٌ وفي تحركاته غرور فج يبلغ حد الوقاحة ، فمجمل الهيئة تعكس لياقة فائقة في لعب دور الجلاد الخبير، وكنا جميعاً رغم حجم البراءة والنقاء تلك اللحظة ، كنا ضحايا ... ضحايا الهيكل الضخم والعضلات الفجة والشك المهين ..!

- بطاقة هويتك .. لا لستِ أنتِ ..أنتَ ..نعم أنتَ !

اجتهد في الحفاظ على سلطتهِ.. على أعصابهِ " لحظات اذا ما سمحت لنفسي بالانهيار سيلتهمني هذا الوحش أمام النظّارة بلا رحمة " .. سيسحقني ..ويمرغ بكرامتي الأرض .. أثبت يا رجل. أثبت .

ومد يداً متماسكة تحمل بطاقة هويته. التقت النظرات ، قلب الآخر البطاقة وأعادها اليه ومضى صوب آخرين .

تبادل مع صاحبه رفيق السفر الجالس في الصف الخلفي من الحافلة النظرات ذات المعنى المطمئن، وتنفسا كليهما الصعداء حين انطلقت الحافلة ثانيةً .. لكن الراكبين لم يعودوا للغطهم! بل عم صمت شفيف .

سرح محلقاً بناظريهِ فيما وراء النافذة يشاهد الحقول الممتدة على جانبي الطريق والغارقةُ في الأفق البعيد معانقة السواقي والبرك المغمورة حتى آخرها بالماء ، وكأنها عروق يد نافرة متشابكة ، فكثير من الماء يعني كثيراً من العشب ، حيث قطعان الماشية ترتع في سكينة وهدوء بالقرب من أجمات النخيل وقصب الشواطىء وأكواخ الفلاحين، فجمال الطبيعة الآسرة وفضائها الرحيب أسلمه لخدر لذيذ دب في أوصاله ، وراح في غفوة ساحرة لم يشعر بمثلها منذ دهر..،

لا يدري كم مر من الوقت وهو غافٍ في حضن ذلك الشعور المفعم بالوان لم ترها من قبل عينه، حتى تناهى لسمعهِ صوتا لطالما أثار رعبه ...! فعاد الكدر يراودهُ وهواجس جديدة تنهض من مكمنها.

حاول أن يطردها من قلبهِ ،ولكن قلبه أبى أن يدعهُ في راحة واطمأنينة ..،

في هذه المرة صعد الى الحافلة أكثر من رجل أمن .. وكعادتهم كانوا يحدقون ويطيلون النظر في وجوه الركاب ، وكأني بهم يستنطقونها باحثين من خلالها عن (( أفكار ))! ولكن في أحيان كثيرة الأفكار قد لا تشبه وجوهها ،ولذلك لن يجدوا ما يبحثون عنه ...،

"أحسني حتى الآن مباركاً وكأني قديسٌ من قديسي العصور الغابرة " وقهقه في أعماقه بصوت مكتوم بينما كانت عيناه تتألقان بإشراقة فوز جليل ....،

هبط الركاب متزاحمين على منافذ الخروج ، ارتفعت أصوات التحايا والضحكات وغمزات هُنا ولمزات هُناك ودعوات بالسلامة ومظاهر امتنان وتربيت على الأكتاف ...تعانق الرفيقان جهاراً ، ورمقهما مساعد السائق بنظرة خبيثة لا تخلو من أندهاش !

ابتعدا عن الركب الذي تفرق في دروب عدة وحين انفردا .. انفجرا بضحك أشبه بالبكاء ، وهتفا معاً " لقد نجحنا " .. لم يكن ذلك سوى النصف الاول من المشوار ،والثاني لا يقل خطورة عن الذي مضى : قال لصاحبهِ ، المهم أن لا أحد يعرفنا هنا لنذهب بحرية الى أقرب مطعم نلتهم وجبة ثقيلة ونجلس على المقهى نشرب شاياً ، ثم نبارح المكان حيث توشك العتمة أن تسود .

* * *

عند حلول الليل سارا على الطريق الدولي المؤدي الى الحدود ، وفي مكان ما انعطفا يساراً فتوغلا عميقاً في أرضٍ ترابية غير واضحة المعالم حتى ابتلعهما الظلام . " وما ان قطعا مسافة طويلة حتى توارى خلفهما الطريق ولم يعودا يريان من البعيد سوى ومضات كابية خاطفة لسيارات رائحة وغادية " وصمت موحش يحمل معه ألف علامة استفهام ؟

في هذه الظلمة التي تغشي المكان لا تكاد العين تبصر شيئاً حتى ان المرء لا يعرف أين يضع قدمه، فتارةً تغوص في تربة جافة وتارة تنزلق في وحل نهير فيه بقايا ماء . كان يرفع رأسه الى السماء ملتمساً بزوغ القمر والنجوم لينيروا لهما هذا الخلاء المعتم ..،

كان مرافقه يحثه على مزيد من السرعة، فتدفق في خطى متلاحقة أشبه بالهرولة، وأخذ العرق يتفجر من مسامات جسده متخذاً مجار كسيلان أنهر في آخاديد وثنيات بدنه مبللة ثوبه  حتى انكمش بشدة، ولم يعد يشعر إن كان حقاً هذا ما يرتديه أم أن جسدهُ  أمسى ..عارياً؟

أضحى الليل أقل عتمة وكأن البدر والنجوم قد أشفقوا على هذين الكائنين الهائمين في هذا الجدب الشاسع. أبطآ من سرعتهما بعد أن بلغ منهما التعب أشدهُ. قال يحدث نفسه : عندما تفتقد شيء ما ستشعر به وكأنه يلح عليك فيتحول ذلك الشعور المفاجيء الى هاجس ، وبعد حين يتحول الى شعور حقيقي.. أنا جائع وعطش ، فمن أين لي بجرعة ماء ؟!

توقف صاحبه يستطلع المكان ، وما اذا كانا يسيران في الاتجاه الصحيح أو لا .. سألهُ : 

- ها ، هل تعتقد اننا في المكان الصحيح ؟أم ان علينا تغيير اتجاهنا ؟

أجابهُ: - كلا ، ليس علينا ذلك ، فكل شيء على ما يرام ، مستأنفاً كلامه ..فقط علينا مواصلة المسير .

- فبادر يسألهُ : ولكن ، هل اجتزنا الحدود أم ما زلنا في بلدنا ؟

لم يحرر ذاك جواباً .. فصمت ! فكر مع نفسه بقلق ، أخشى ما أخشاه أن يكون صديقي قد فقد 

( البوصلة ) فتاه وتهتُ معهُ ..!!

كانت تهب علينا أنسام رطبة حاملة معها طنين بعوض وأزيز حشرات طائرة وجنادب تتقافز من أمامنا  ونقيق ضفادع تداخل مع باقي الأصوات بتناغم متنافر ..أنها مزارع ..ولا غرو ان الليل يجذب ذلك الخليط من الكائنات المزعجة ، حينما تلتصق بجسدك أو ترتطم بوجهك. وعلى الرغم من ذلك، قد يشعرك المشي وسط حقول زراعية .. بالحياة ، ويجعلك أكثر تفاؤلاً . فجأة لاح له ما يشبه الخيال يتحرك بين المزروعات ! فبادر صاحبه متسائلاً : 

- هل رأيت شيء يتحرك ؟

- كلا، لم أر شيء.

أطرق  مصغياً،  تناها الى سمعه صوتاً أقرب الى اللهاثِ ! وهنا توقف يراقب المكان مستديراً بجسمه نصف دورة وقال:

- هناك خطب ما في الخفاء يحدث من حولنا ! 

- أرجوك دعنا نتوقف قليلاً عن السير؟

فرد ذاك قائلاً :

- ولكني لم ألحظ شيئاً! فليس هناك سوى أصوات الحشرات !

وقبل أن يكمل.. أحاط بهما قطيع من الكلاب الهائجة.. بشراسةٍ غير متوقعة، وبضراوة لا متناهية!

وكأنهُ كمين أعد سلفاً.. لقد كانت مُستَفزة وعدوانية.. بحيث فصلتهما عن بعضهما وطوقتهما من كل جانب!

- يا للهول ! ما هذا الذي يحدث ؟!

باغتهم القطيع على حين غرة ، وهذا مما لم يخطر ببال أحدهما ...! كان يخفق، بعشوائية، بيديه و ساقيه ويصرخ على الكلاب كمن يستنجد بمغيث ! والكلاب تنبح بأصوات مبحوحة ، مقطبة ما بين حاجبها مكشرة عن أنياب تعكس بلمعانها ضوءاً فضياً ، وعيوناً تشع غضباً ، ما أن يقترب منها أو يبتعد عنها .. ورغوة الزبد تتطاير من أفواهها كلما أراد الانحناء باحثاً عما يخيفها ..

- ليس أمامي غير أن أستجمع قواي وان لا تزل أقدامي وأقع ..لأنها حين ذاك ستفتك بي وتمزقني أرباً أرباً..

- لا شيئاً صلبا تحت أقدامي ، فكل ما ألمسه .. هشاً ومائعاً كهذه النباتات الغضة ، الطرية !

- كان يقبض التراب بكفهِ ويرمي به الكلاب ... أعشاب ضامرة وقشاً يابساً ونباتات شوكية مليئة بالإبر 

زادت من جروحه !

تملكه شعوراً مؤلماً أن هذه الكلاب المسعورة سوف لن تسمح له بالمرور قدماً بعد ان أصبح المكان بالغ القسوة والعنف ، ولابد له من التراجع .. فهو لم يعد يدري " مَن أضحى يخاف من مَن ؟! وما عليه سوى أن يخرج من هذه المعركة غير المتكافئة المفروضة عليه  بأقل الخسائر ..، لقد بلغ أقصى درجات الانهاك وقاربت قواه الذاتية أن تخور، وليس من محيص سوى التراجع الى الخلف. كان يجري والكلاب بإثره حتى خرج من أرض المزارع .." فبان له الطريق الدولي بإنارته الكابية من بعيد "  .. لقد كانت واحدة من المعارك، لم يخسر فيها سوى الوقت ، ولا بد له من العودةِ غداً ..... وعبر طريق آخر .

 

تقييم النص

يجب تسجيل الدخول أو التسجيل كي تتمكن من الرد هنا

التعليقات

صديقي الأعز قيس لطيف 

لقد قرأت هذه القصة وعشت أحداثها بشغف وترقب، وكأنني كنت معك، (وياليتني كنت معك)..

كنت قد عرفت إنك غادرت العراق متجها نحو أقصى الجنوب، وقليل من المعلومات التي عرفتها مصادفة، لكن أخبارك إنقطعت تماماً...
لم أستطع التأقلم مع الوضع الجديد بعون أصدقاء أعزاء، فقد غادرنا صديقنا صباح بوقت مبكر، ثم أنت فكنت أعيش أيامي بالكاد قلقاً وكئيباً..ثم.. قررت الرحيل.. 

مضت على ذلك 40 عام.. وها نحن نتكاتب مرة أخرى..

أحداث هذه القصة عادت بي الى شريط سينمائي كنت قد فقدت جزءاً كبيرا منه، وها هو يكتمل الآن شيئاً فشيئا...

أرجو أن تواصل كتابة أحداث تلك الحقبة.. وبأسلوبك المشوق وكما عهدتك صديقي العزيز

محبك

عامر

قيس لطيف/ عامر كامل السامرائي

2021-10-12 13:50:22

صديقي الأعز عامر كامل السامرائي المحترم

يقول بطل القصة في أحد المواضع

لم تكن الآمال كبيرة .. لم تكن الأحلام مبالغ فيها

ضرورات انسانية كريمة لا أكثر ولا أقل.. فلمَ يتوجب علينا أن ندفع

أثماناً باهضةً من أجلها ؟!

وفي موضع آخر يقول : أما هذا ( الموت )..أو الحرية ...الحرية الحلم

الحرية التي ما فتئت منذ دهر طويل تداعب .. تدغدغ .. تُزهر في المخيلة ..،

لقد جئت يا صديقي على ذكر  الفقيد" صباح " الذي دفع حياته ثمناً لتلك " الحرية ".

أما نحن أنا وأنت َ وكثيرين غيرنا، فلقد كان الثمن أزيد من أربعين سنة غربة وتشرد

ومعاناة في المنافي...فهل كانت هذه التي داعبت ودغدغت مخيلتنا تستحق كل

هذه التضحيات من أعمارنا ؟!

اضنها كانت تستحق .. أتمنى لك موفور الصحة والخير

وأن تكون الحرية حليفتك الدائمة...،

تقبل محبتي صديقك

قيس لطيف

 

 

التعليقات

إدراج الإقتباسات...