من مجموعة (عندما نحب) / قصة رقم 7

من مجموعة (عندما نحب) / قصة رقم 7


لم يكن زامل لفته فتى يافعا عندما وصل إحدى العواصم الأوربية هاربا أمام الموت المحاصِر له ولرفاقه في وطنه، مخلفاً وراءه مشروع خطيبة في انتظاره وأم منتحبة لفراقه.

- شلون راح تعيش وحيد بالغربة يا وليدي؟ ما أدري شلون تدبر أمورك وآني وخواتك بعيدين عنك! حتى ما نعرف بالضبط وين ندور عليك.

ردد كلام أمه أمام ابن خالته الذي بحث عنه كثيرا حتى التقاه بعد عام ونصف، حابساّ دموعه بحركات مسرحية ألفها عنه أصدقاؤه ومعارفه فسأله بلهفة عن أهله وحبيبته.

بعد أسبوع على لقائهما، وبينا هما يحتسيان البيرة في إحدى المقاهي حيث كان يحاول جاهداّ التقرب إلى نادلة المقهى، لاحظ ابن خالته أنه لم يكن مثقلاّ بأعباء الحياة كما كان يظن أهله. لم يتعلم لغة البلد بعد، وراح يرقب حركاته الهزلية وهو يعبّر عن إعجابه بالنادلة محاولاّ التقرب إليها من جديد، طالباّ ودها ودعوتها للعشاء. كان يوحي لقريبه بأنها ترغب فيه، لكن محاولته ذهبت سدى لأنه سبق وأن انقضَّ عليها ذات ليلة فقَدَ فيها عقله وتوازنه محاولاّ تقبيلها فصفعته أمام العاملات صارخة بوجهه:

- أخرج من هنا يا حيوان!

حاول أن يقيم توازناّ لنفسه، كابحاّ غرائزه وهو يرشف آخر قطرة من البيرة ونظراته شاخصة على نهديها وهي تنحني لرفع القناني الفارغة. هز كتفيه ساخراّ منها وناظراّ إلى ابن خالته ليقول لها بالعربية:

- يعني أنتِ متصورة أنك تختلفين عن الأخريات؟

نقر على المائدة بأطراف أصابعه ليكمل قوله:

- والله لو تشوف هذي المرأة اللي تعرفت عليها قبل أسبوعين ... طول ورشششاقة وجمال.. ولك مدري شنو جذبني إلها... يمكن شعرها الأسود... عبالك من عدنه.. المسكينة مطلقة وعندها طفل عمره يمكن 3 سنوات، ينحط بالگلب والله يمكن هذا اللي جذبني إلها أكثر.. بس لا تتصور إنها وحدة عادية... لا مو عبالك ... مستوى راقي وثقافة.. آنه أخوك، تعرف إحنه المثقفين الواعين ما نروح على أي وحده.. لك آآآآخ.. آني دخلت بالأربعين... لا زوجة.. لا ولد ولا تلد. المهم غداً... غداً الموعد معها، وما أخفي عليك حسيت آني أحبهة... ما تفارق خيالي ولا لحظة.

أخذ نفسا عميقاً وزفر بشكل متقطع فصارت شفتاه ترتجف كبراطم القرد ثم أردف قائلاً:

- يالله ابن خالتي إشرب والعن أبو الحكومة، گواويد خلوا طشارنا ماله والي.

- شكراً أعتقد كافي، ولازم نرجع للبيت لأن بكرة صباحا موعدك مع الحبيبة.  " قالها بسخرية ثم أكمل" لو نسيت ابن خالتي السبع؟

- لا لا لا شلون أنسى!

بدا نهار الأحد طويلاً على ابن خالته محمد حتى ملّ من التسكع في الشوارع وحيدا،ً فعاد إلى الشقة مبكراً ومقرراً اللجوء إلى فراشه بعد تناول وجبة عشاء خفيفة والبحث عن كتاب يقرأه. لقد شغله وضع زامل المثقف الثوري المكتنز بالمشاريع الثقافية المؤجَلة حتى غاب في النوم.

قاربَ الليل منتصفه وإذا برنة الهاتف توقظ محمداً. نهض مرتعباً وقبل أن يرد جاءه الصوت مترددا كالصدى:

- محححمممد.. ولك تعااال بسرعة وجيييب وياك فلوس... البوليس راح يا خذني.

- منو منو زامل؟ وين انتَ بأي مكان؟

- بسرعة ... بسرعة البوليس.. آني بمطعم القلعة اللي كنا بي قبل يومين.. يالله تعاااال.

كان الجو باردا بعض الشيء ومن شدة ارتباكه ارتدى محمد بنطلونه على البجامة مكملاً لباسه في المصعد الكهربائي مردداً:

- ما معقول، ولك لا تفضحنا زامل.. زين شيسوي بالمطعم بهذا الوقت؟ بعدين المرأة عندها طفل.. مشكلة.. والله مشكلة.

وصل محمد إلى المكان فوجد قريبه زامل يقف مع امرأة طويلة القامة تحمل طفلاً متشبثاً بعنقها يرتجف هلعاً. أحاط بهم عاملوا المطعم مع المدير المتأهب للاتصال بالشرطة. كان زامل ثملاً تتمايل قامته دون إرادة منه، تناول الفاتورة من يد المدير ليقدمها إلى محمد الذي صُعق لارتفاع المبلغ، ومع ذلك أخرج النقود ليدسها في يد المدير مع ابتسامة اعتذار خجلى تجنباً للفضيحة.

اندهش محمد لوجود جارتهم العراقية إقبال تقف مذهولة، ماسكة بمحفظة نقودها وكأنها جاءت لتدفع حساب زميلها المثقف. كان زامل يطلق عليها صفة زميلتي أمام نساء البلد اللائي يخطط لهن، وصديقتي عندما يقدمها لمعارفه من الرجال، لذا جاءت لتنقذ زميلها أمام صديقته بعد أن اتصل بها تلفونياً هي الأخرى، لكنه نسي ذلك ولم يعر أهمية لوجودها حينما فتح باب التاكسي للسيدة وابنها، إلا أن محمد اعتذر منها حتى أنه لم يستطع النظر في عينيها فأوقف سيارة أجرة أخرى ولحقا بزامل وامرأته.

وصلوا حيث تسكن السيدة. نزلت مع ولدها وراحت تركض فارّة من قبضة زامل إلى الجهة المقابلة دون أن تكترث للمرور ووصول الترام الذي كاد يدهسهما، وبهذا لم يستطع اللحاق بها زامل لفتة إذ كان يترنح على سكة الترام وكانت فاتنته قد دخلت البناية، صافقة الباب خلفها.

سحبه محمد ابن خالته متوسلاً إليه بأن يدعها وشأنها آخذاً ينظر الاعتبار حرمة وجود طفلها. اعتلوا الترام. وقفت إقبال على مقربة منهما وكأنها لا تمت بصلة لهما متفرجة صامتة ومنصتة بشكل غير مباشر لكلام زامل السكران، فاستشفت منه أن المرأة الواعية المثقفة اصطحبته إلى جميع الأماكن التي كانت تحلم برؤيتها في القرى المحاذية للعاصمة لتأكل وتشرب ما لذ وطاب على حساب العربي الثري، حتى وصلت إلى أغلى مطعم في العاصمة بعد أن خوَت جيوب الأمير تماماً.

كانت خيبة الذكر تعلو فوق كل ما مر به من مآسي الحياة.. لكنه يظل البطل الذي لا يمكن الانتصار عليه والاستخفاف بفحولته المنكوبة، وها هو يكشف عن معدنه حينما استل من جيب سترته الداخلي هوية ليقول بكلمات متقطعة:

- وين تررروح مني هذي العاهر... ليش عبالهة آني غبي... هذي هويتها عندي.

استدارت إقبال نحو النافذة لتكتم ضحكتها.

- مسكين.. زامل طول النهار يركض من مكان لمكان ويلبي طلباتها حتى دفع آخر ما يملك من فلوس وبالنهاية ما حصل على مبتغاه.

صمتَ. كان محمد معجباً بشخصية إقبال القوية وتحملها لمثل هذه النماذج كابن خالته فيحاول أن يبدي تأسفه للموقف والاعتذار منها.

سبقهما زامل غاذاً السير نحو البيت بالرغم من فقد توازنه، وكان بين الفينة والأخرى يتلفت وكأن شبح المرأة يطارده فيرفع ذراعيه باسطاً كفيه ثم يشد قبضتيهما ولم يمسك بشيء غير الهواء.

" ترى أي دور يلعب، هاملت أم عطيل المخدوعين؟!"

عند باب العمارة حيث تسكن، انفجرت إقبال بضحك هستيري. تجمد محمد أمامها حتى قالت وهي تكركر:

- هذي المثقفة الراقية المغرم بها صارت عاهر؟.. لعد لو كانت وحدة عادية كان وين راح وياها؟... ربما للمريخ  ها ها ها ها.

كان رجل الأعمال محمد في قمة االإحراج والارتباك فتأتأ:

- تتتصبحين ععلى خخير أخختي!

  المجر/ مدينة ماترا

 2014 أيار

 

ملاحظة: المجموعة تحتوي على عدة قصص لا تحمل أسماً وإنما تم ترقيمها 

تقييم النص

يجب تسجيل الدخول أو التسجيل كي تتمكن من الرد هنا

التعليقات

الحسين بوخرطة

2021-08-19 20:23:34

قصة جميلة، وهيام وهوس خارج المألوف. بحث عن أحداث وعاطفة في الغربة. رموز هامة في جوهر مقاربة النوع والغربة والثقافة تستدعي التأمل. حفظكم الله أستاذة اعتقال الطائي. مزيدا من التألق.

التعليقات

إدراج الإقتباسات...