الحارس

الحارس


أوقفَني الحارسُ

عندَ مداخلِ بيتي المعمورْ،

يسألني مغتاظاً:

ــ مَنْ أنتَ؟

أجبْتُ بكلِّ براءةِ عصفورٍ مِنْ بلورْ:

ــ أنا مَنْ ضيَّعَ في الأوهام عمرَهْ.

 

كنتُ العمرَ الزاهدَ محفوراً

بين صدوع الصخرةِ، 

والزهرِ البريِّ الأبيضْ،

يستنشقُ ريحَ البرّ ندياً،

يشربُ قطراتِ الفجر الأولى،

منْ أفواهِ الأرضْ.

 

كنتُ العمرَ المطحونَ،

برحى الزمنِ،

ونداءِ الحربِ العلنية،

والذبح السريّ.

 

كنتُ الصوتَ المخنوقَ،

في حنجرة الصوتْ،

ساعةَ إعدام الكلماتِ البيضِ المسحوقةِ،

برحى الأوراقِ الصُفْر

وعيونِ الجدران السريةْ.

 

في ساحاتِ القضبانِ،

يقفُ السجّانُ بآلافِ الأقفالِ،

وألسنةٍ من نار الكلماتِ المسروقةِ،

من أدراج التاريخ المنهزم

أمام َالنمر الورقيّ.

 

مِنْ بين سطور شعاراتِ الغاباتِ المنتفضةْ،

أيام القطبين،

يقف الحارسُ مذهولاً،

من سيل شعاراتِ القطبِ الهائجِ،

والقطب العائدِ لبطون البيان الأول،

في ساحاتِ هزائمنا.

 

الحارسُ،

فيلمٌ من أفلام الخمسيناتِ،

من القرن العشرين،

يتراجعُ نحوَ الليلِ الأول،

من أيام القرن الماضي،

قبلَ الماضي.

 

حاولَ رسول حمزاتوفْ

أنْ يحرسَ أبوابَ الداغستانِ بلادَهْ،

بقصائدَ من شاي بلادِهْ،

في أحضان العشبِ الأخضرِ،

تحت ظلال الشجر المثمرِ،

وحكاياتِ الجداتِ الأسطوريةْ،

فاصطادوهُ،

في أقفاص الدوما،

برصاصٍ مِنْ حارسِ موسكو الكذّابْ،

يلتسين،

وغورباتشوف.

 

أنا أكرهُ ذاك الحارسَ أسوارَ الدولةْ

العبريةْ

وشوارعَ بغدادَ المنفلتةْ،

وأكرهُ ذاك الحارسَ

أنفاقَ أورشليمَ،

وجدارَ الفصلِ،

لكنّي بقيتُ أحبُّ الحارسَ جيفارا،

والحارسَ هوشي منه،

وحارس بغداد المغتال،

عبد الكريم قاسم.

 

كنتُ أحبُّ الحرّاسَ،

عرفاتَ

وحواتمه،

وحكيم الثورة،

لكنّي أعجبُ كيف تحوَّل حراسُ الثورةِ

سجَّانين، ومسجونين،

بين القضبان العمياء،

في ذيل الديناصورات!

 

 سأظلُّ الحائرَ بين الحبِّ،

وبين الرفضِ،

للحارسِ أسوارَ الصين!؟

 

لا تسألْني عن حرّاسِ البوابةْ الشرقيةْ،

وحرّاسِ الخارطةِ الوسطى،

وحرّاسِ البوابةْ الغربيةْ،

وحارسِ عروبة قلعة طرابلس الغرب،

فالكلُّ على دربِ الحارسِ

للخامسِ

مِنْ صولاتِ حزيرانَ

وحارس بوابتنا الشرقيةْ ....

 

عبد الستار نورعلي

الأثنين 2004.10.04

تقييم النص

يجب تسجيل الدخول أو التسجيل كي تتمكن من الرد هنا

التعليقات

جمعة عبدالله

01-12-2021 12:11

الشاعر الكبير العزيز الاستاذ عبدالستار نور علي

الله ما اروعك في هذا التصوير الحسي لاشياء الحياة والزمن المتقلب بين الشرق والغرب  , بين عاليها الى سافلها بهذه الانثيالات الشعرية , التي تحمل ايحاء ومعنى ورمزاً عميقا وبلغياً  لتحولات الزمن الصارخة في زمن الماضي ,  والزمن الحاضر لا يعرف رأسه من قدميه  بالانقلاب في القيم والاخلاق والمبادئ . وروعتك ذكرتنا بفيلم الحارس بالخمسينيات القرن الماضي , الانسان البسيط المتواضع الذي يحرس الناس وممتلكاتهم في الليل من عيون اللصوص والحرامية. ويبدأ المونتاج الشعري ليسلط الضوء على زمنين مختلفين تماماً بكل شيء . يسأل الحارس : من أنت ؟ هذا السؤال الذي يورقنا في الزمن الحاضر ليكشف محطات العمر المرئية واللامرئية , انه هذا الانسان المناضل الذي احرق فتوة وعنفوان شبابه في دروب النضال الصعبة للوطن والناس , وفي نهاية محطات العمر يحصد الاوهام والخيبة  . كان عمره طاحونة حرب بالحرب العلنية والذبح السري , كان مقاوماً شرساً للارهاب والبطش , فقد كان صوته مخنوقاً في حنجرة الصمت في اعدام الكلمات . من الانظمة الطاغية في شراسة الارهاب والبطش  تسلب حياة الناس بسهولة , او تغيبهم في سرديب الموت السرية. ولهذا عرفنا اصناف واجناس مخلفة من الحراس. منهم من كان اسداً حقيقياً ,  ومنهم من كان نمر من  ورق  . لقد سأمنا  من غابات الشعارت المزيفة والجوفاء , لم نحصد منها سوى الخيبات والهزائم , فرحم الله   حارس فيلم الحارس في روحه الطيبة والبسيطة في الماضي . وكذلك حارس رسول حمزتوف والحارس  البطل والشهم والثوري العالمي جيفارا , والحارس هوشي منه . والحارس الشهيد الوطني عبدالكريم قاسم , وكل حراس القيم والمبادئ الانسانية والوطنية . هؤلاء دخلوا قلبوب الناس بدون جواز , هم حراس الثورة والانسان , ولكن بالمقابل عرفتنا الحياة والزمن  حراس ديناصورات في هذا الزمن السيء والارعن . حراس البوابة الشرقية والبوابة الغربية حراس نكبة حزيران في فلسطين , حراس موسكو باعوا الغالي والنفيس , حراس البوابة العبرية حكام العرب الخصيان , حراس المخلوقات الهجينة باللصوصية وسرقة احلام الشعوب, اصبحوا  هم فرسان الزمن الارعن . الحراس اللصوصية والفساد

دمت معلمنا الكبير بخير وصحة , نستلهم من نبراسك النور

زائر

01-12-2021 12:07

لقد ارسلت ردا على تعليق الأخ جمعة عبدالله،  لم يظهر

عزيزي الأستاذ عبد الستار نور علي

للأسف لم أرَ تعليقك، ولم أجده في قاعدة البيانات أيضاً..

نعتذر لأي خطأ تقني حدث.

وأود أن أشكرك على مشاركتنا هذه القصيدة الرائعة، التي جاءت في الوقت المناسب، حيث تحدث عنها الناقد والأديب المتألق الأستاذ حميد الحريزي مشكوراً.

 

تقبل بالغ تقديري واحترامي

مصطفى معروفي

02-12-2021 12:09

قصيدة عالية النبض

مصاغة بمهارة و احترافية واضحتين

يبدو لي أخي الأستاذ الشاعر الشاعر عبد الستار أنك صائد تعشقه ظباء الشعر،

و أراك تدعو القصيدة فتجيبك و تقدمها للقارئ على طبق من ذهب.
سلمت أناملك الذهبية المبدعة مولانا.

و طاب لك التجوال في رحاب الشعر.

زائر

04-12-2021 12:01

أخانا العزيز الشاعر الشاعر مصطفى معروفي 

لكم من شغاف القلب ودا على ود

ومن مطر العينين نبعا من الورد

 

شكرا على جميل ذوقك، وحسن رضاك عن القصيدة.

شهادة شاعر راق أعتز بها.

محبتي

 

التعليقات

إدراج الإقتباسات...